فخر الدين الرازي
175
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الثاني : ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك ، والغرض منه بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف . المسألة الثالثة : قوله : إِلَّا خَطَأً فيه قولان : الأول : أنه استثناء متصل ، والذاهبون إلى هذا القول ذكروا وجوها : الأول : ان هذا الاستثناء ورد على طريق المعنى ، لأن قوله : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ / يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً معناه أنه يؤاخذ الإنسان على القتل إلا إذا كان القتل قتل خطأ فإنه لا يؤاخذ به . الثاني : أن الاستثناء صحيح أيضا على ظاهر اللفظ ، والمعنى أنه ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة إلا عند الخطأ وهو ما إذا رأى عليه شعار الكفار ، أو وجده في عسكرهم فظنه مشركا ، فههنا يجوز قتله ، ولا شك أن هذا خطأ ، فإنه ظن أنه كافر مع أنه ما كان كافر . الثالث : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، والتقدير : وما كان مؤمن ليقتل مؤمنا إلا خطأ ، ومثله قوله تعالى : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [ مريم : 35 ] تأويله : ما كان اللَّه ليتخذ من ولد ، لأنه تعالى لا يحرم عليه شيء ، إنما ينفي عنه ما لا يليق به ، وأيضا قال تعالى : ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها [ النمل : 60 ] معناه ما كنتم لتنبتوا ، لأنه تعالى لم يحرم عليهم أن ينبتوا الشجر ، إنما نفى عنهم أن يمكنهم إنباتها ، فإنه تعالى هو القادر على إنبات الشجر . الرابع : أن وجه الأشكال في حمل هذا الاستثناء على الاستثناء المتصل ، وهو أن يقال : الاستثناء من النفي إثبات ، وهذا يقتضي الإطلاق في قتل المؤمن في بعض الأحوال ، وذلك محال ، إلا أن هذا الأشكال إنما يلزم إذا سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات ، وذلك مختلف فيه بين الأصوليين ، والصحيح أنه لا يقتضيه لأن الاستثناء يقتضي صرف الحكم عن المستثنى لا صرف المحكوم به عنه ، وإذا كان تأثير الاستثناء في صرف الحكم فقط بقي المستثنى غير محكوم عليه لا بالنفي ولا بالإثبات ، وحينئذ يندفع الأشكال . ومما يدل على أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات قوله عليه الصلاة والسلام : « لا صلاة الا بطهور ولا نكاح الا بولي » ويقال : لا ملك الا بالرجال ولا رجال الا بالمال ، والاستثناء في جملة هذه الصور لا يفيد أن يكون الحكم المستثنى من النفي إثباتا واللَّه أعلم . الخامس : قال أبو هاشم وهو أحد رؤساء المعتزلة : تقدير الآية : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا فيبقى مؤمنا ، الا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذ مؤمنا ، قال : والمراد أن قتل المؤمن للمؤمن يخرجه عن كونه مؤمنا ، الا أن يكون خطأ فإنه لا يخرجه عن كونه مؤمنا . واعلم أن هذا الكلام بناء على أن الفاسق ليس بمؤمن ، وهو أصل باطل ، واللَّه أعلم . القول الثاني : أن هذا الاستثناء منقطع بمعنى لكن ، ونظيره في القرآن كثير . قال تعالى : لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً [ النساء : 29 ] وقال : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [ النجم : 53 ] وقال : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً [ الواقعة : 25 ، 26 ] واللَّه أعلم . المسألة الرابعة : في انتصاب قوله : خَطَأً وجوه : الأول : أنه مفعوله له ، والتقدير ما ينبغي أن يقتله لعلة من العلل ، إلا لكونه خطأ . الثاني : أنه حال ، والتقدير : لا يقتله البتة إلا حال كونه خطأ . الثالث : أنه صفة للمصدر والتقدير : إلا قتلا خطأ . قوله تعالى : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا . وفي الآية مسائل :